سيد محمد طنطاوي

130

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

رديئة المناخ - فأمر لهم النبي صلى اللَّه عليه وسلم بذود وراع - أي : بعدد من الإبل ومعهم راع - ، وأمرهم أن يخرجوا بها ، فيشربوا من ألبانها وأبوالها ، فقتلوا الراعي ، واستاقوا الذود ، وكفروا بعد إسلامهم ، فأتى بهم إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمل أعينهم ، وتركهم في الحرة حتى ماتوا ، فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم . ثم قال ابن جرير : وأولى الأقوال في ذلك عندي أن يقال : أنزل اللَّه هذه الآية على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم : لمعرفة حكمه على من حارب اللَّه ورسوله ، وسعى في الأرض فسادا ، بعد الذي كان من فعل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بالعرنيين » « 1 » . والذي يراه ابن جرير أولى هو الذي تطمئن إليه النفس ، فإن الآية الكريمة تبين عقاب قطاع الطرق الذين يحاربون النظام القائم للأمة ، ويرتكبون جرائم القتل والنهب والسلب والسرقة سواء أكانوا من المشركين أم من غيرهم ؟ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وقوله : سبحانه * ( يُحارِبُونَ ) * من المحاربة . والمحاربة : مفاعلة من الحرب وهي ضد السلم ، والأصل في معنى كلمة الحرب : الأخذ والسلب . يقال : حربه ، إذا سلبه ماله ، والمراد بالمحاربة هنا : قطع الطريق على الآمنين بالاعتداء عليهم بالقتل أو السلب أو ما يشبه ذلك من الجرائم التي حرمها اللَّه - تعالى - : ومحاربة الناس للَّه - تعالى - على وجه الحقيقة غير ممكنة ، لتنزهه - سبحانه - عن أن يكون من الجواهر والأجسام التي تقاتل ولأن ، المحاربة تستلزم أن يكون كل من المتحاربين في وجهة ومكان واللَّه منزه عن ذلك ، فيكون التعبير مجازا عن المخالفة لشرع اللَّه ، وارتكاب ما يغضبه أو المعنى : يحاربون أولياء اللَّه وأولياء رسوله وهم المسلمون فيكون الكلام على تقدير حذف مضاف . وصدر - سبحانه - الآية بلفظ إنما المفيد للقصر ، لتأكيد العقاب ، ولبيان أنه عقاب لا هوادة فيه ، لأنه حد من حدود اللَّه - تعالى - على تلك الجريمة النكراء التي تقوض بنيان الجماعة ، وتهدم أمنها ، وتزلزل كيانها ، وتبعث الرعب والخوف في نفوس أفرادها . وعبر - سبحانه - عمن يحارب أولياءه وشرعه بأنهم محاربون له ولرسوله لزيادة التشنيع عليهم ، ولبيان أن كل من يهدد أمن المسلمين ويعتدى عليهم يكون محاربا للَّه ولرسوله ومستحقا لغضبه - سبحانه - وعقوبته . وقوله : * ( ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَساداً ) * معطوف على قوله * ( يُحارِبُونَ ) * .

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 6 ص 208 .